"وكأن الأرض تنطق بأسماء شهدائها اسماً اسماً، وقلباً قلباً."

ليست شقائق النعمان مجرد زهرة جميلة تنمو في ربيع جبل العرب.
منذ قرون طويلة ارتبطت هذه الزهرة في وجدان أهل بلاد الشام بالحياة التي تنبثق من الأرض بعد الألم، وبالدم الذي يتحول إلى ذاكرة لا تموت.
لا يهم إن كانت أسطورة أم حقيقة، فإحدى أشهر الروايات المرتبطة باسمها تعود إلى الملك العربي النعمان بن المنذر (التنوخي)، وتقول إن شقائق النعمان نبتت في المواضع التي سُفك فيها دمه، فاكتسبت لونها الأحمر القاني وأصبحت رمزاً للتضحية والفداء.
وقد تكون هذه الحكاية أقرب إلى الأسطورة منها إلى التاريخ، لكنها بقيت حيّة في الذاكرة الشعبية العربية حتى صار اسم الزهرة مرتبطاً بالشهادة والوفاء للراحلين.
أما في سويداء القلب خصوصاً، فإن لهذه الزهرة حضوراً مختلفاً.
فهي تنبت كل ربيع بين الصخور السوداء، وبين حجارة البازلت القاسية، ومن رحم اللجاة ووديان الجبل وسفوحه. تنبت دفعةً واحدة، وكأن الأرض تنطق بأسماء شهدائها اسماً اسماً، وقلباً قلباً، وتقول لهم:
ما زلنا هنا...
ومعكم ما زلنا هنا...
وما زلتم.
وفي مشهدٍ يكاد يبدو معجزةً تتكرر كل عام، تخرج بتلاتها الحمراء الرقيقة الشفيفة من أرض البازلت التي تبدو للوهلة الأولى صامتةً وجافةً وقاسية، قبل أن تبوح بكل ذلك الجمال والرقة والأمل.
وكأنها تذكيرٌ دائم بأن الحياة هنا أقوى من الخراب، وأن الأرض تحفظ من فداها.
ولذلك اخترنا شقائق النعمان رمزاً لإحياء ذكرى المأساة والمجزرة.
ليس لأنها تشبه الدم فحسب...
بل لأن الشهداء لا يُختصرون بلحظة رحيلهم.
ولأن ذكراهم لا تبقى في الحزن وحده.
ولأن الأرض التي ارتوت بالتضحيات لا تنبت موتاً، بل تنبت حياةً جديدة في كل ربيع.
تماماً كما تعود شقائق النعمان لتزهر عاماً بعد عام بين حجارة البازلت السوداء، تعود الذاكرة لتقول إن الغياب لم ينتصر، وإن من رحلوا ما زالوا حاضرين في الأرض والناس والحكايات.
لهذا صارت شقائق النعمان شقائقَ الروح وشقائقَ القلب في «مقام الذاكرة».
زهرةً تنمو من بين الصخور.
حياةً تنبثق من الفقد.
ذاكرةً ترفض أن تموت.
والذاكرة لا تحيا وحدها...
بل نحيا نحن بها، وتحيا هي بنا.





Comments