يرجى قراءة التفاصيل أدناه قبل تعبئة أي من الاستمارات المرفقة
ما دام فينا من يروي...وما دام فينا من يتكاتف...
أسر شهدائنا الأبرار، والمهجّرون الذين فقدوا بيوتهم وأرزاقهم، والجرحى، وكل من صمد فوق هذه الأرض رغم ما أصابها...
هم من حفظوا كرامتنا، وصانوا وجودنا، وأبقوا جذورنا راسخة في هذه الأرض. وما زالت قصصهم، وصبرهم، وتضحياتهم، هي ما يمنح هذه الأرض معناها، ويحمّلنا جميعًا مسؤولية ألا تُنسى. هم جذورنا، ومن دونهم لا وجود لنا.
ومهما فعلنا، فلن نوفيهم حقهم.
لكننا نؤمن أن مسؤوليتنا لا تقف عند مواساة الإنسان في محنته، كما لا تقف عند توثيق ما جرى. فالإغاثة وحدها لا تكفي إن ضاعت الذاكرة، والذاكرة وحدها لا تكفي إذا تُرك الإنسان وحيدًا.
ومن هنا، جاء عمل Black Basalt Foundation ليجمع بين هذين الواجبين؛ الوقوف إلى جانب أهلنا اليوم، وحفظ قصتهم للأجيال القادمة.
ومنذ الساعات والأيام الأولى التي أعقبت العدوان على السويداء وما رافقه من جرائم، بدأنا العمل، بما توفر لنا من إمكانات، على هذين المسارين معًا؛ فوقفنا إلى جانب أهلنا بما استطعنا، وبدأنا في الوقت نفسه مشروع توثيق الذاكرة، وحفظ الشهادات، والقصص، والوثائق.
أما اليوم، وبعد أشهر من العمل الميداني والتحضير، فإننا ننتقل إلى مرحلة أكثر تنظيمًا، وأكثر منهجية، عبر تطوير برامج المؤسسة، وتفعيل آلياتها، وبناء منظومة مؤسسية أكثر استدامة واتساعًا في أثرها.
ونقولها بكل صدق وتواضع: لا يوجد دعم، مهما بلغ، يمكن أن يوازي حجم التضحيات، أو أن يعبّر إلا عن جزءٍ يسير من امتناننا لدماء شهدائنا، وآلام الجرحى، ومعاناة المهجّرين.
وما نقدمه اليوم ليس وفاءً يليق بمن رحلوا، بل واجب نحاول أن نؤديه بما نستطيع، وبما توفر من إمكانات، وفاءً لحقهم علينا، لا ادعاءً بردّ جميلٍ لا يُرد.
أولًا: تطوير مشروع «الذاكرة الحية»
اختُتمت الدورة الأولى من «مقام الذاكرة»، بعد أن حملت إلينا مئات الصور، والشهادات، والقصص، والأفلام التي ستبقى جزءًا من ذاكرتنا الجماعية.
وخلال هذا الأسبوع، بإذن الله، سنعلن موعد حفل تكريم جميع المشاركين، وتوزيع الجوائز، إلى جانب جميع التفاصيل المتعلقة بالحفل، لنلتقي معًا في محطة جديدة نحتفي فيها بكل من ساهم في حفظ الذاكرة وصون الحكاية.
ومع اختتام هذه المرحلة الأولى، نبدأ اليوم مرحلة جديدة من تطوير المشروع، عبر وضع حجر الأساس لمتحف «مقام الذاكرة»، الذي يأتي تحت مظلة مشروع «الذاكرة الحية».
ولأن الحقيقة التي لا تُوثَّق تصبح معرّضة للنسيان، ولأن ذاكرة الشعوب لا يجوز أن تبقى رهينة الأخبار العابرة، فإن هذا المشروع لن يكون متحفًا تقليديًا، بل ذاكرة حيّة تحفظ أسماء شهدائنا، وشهادات أهلنا، وصورهم، ووثائقهم، وأفلامهم، وحكاياتهم كما عاشوها هم، ليبقى ما جرى محفوظًا للأجيال القادمة، لا يُختزل في أرقام، ولا يُعاد تفسيره بعيدًا عن أصوات أصحابه.
ولأننا نؤمن بأن الذاكرة ليست مجرد أرشيف، بل ثقافة، وهوية، ورسالة، كان خيارنا أن يكون الفن والإبداع لغتنا في رواية الحكاية. فالصورة، والفيلم، واللوحة، والموسيقى، والأدب، وكل أشكال التعبير الإنساني الصادق، ليست ترفًا في أوقات المآسي، بل من أعمق لغات الذاكرة، وأكثرها قدرة على عبور الحدود، والوصول إلى الضمير الإنساني. وهي اللغة الأكثر قدرة على مخاطبة الإنسان، وتجاوز الحدود واللغات والانقسامات.
ومن خلال هذه اللغة، نسعى إلى أن تصل حكاية سويداء القلب إلى كل مكان، بصدق الشهادة، وقوة الحقيقة، واحترام الإنسان. فغايتنا ليست تأجيج الكراهية، ولا استدرار التعاطف، بل الدفاع عن حق الإنسان في أن تُروى قصته كما عاشها، وأن يُحفظ اسمه، وكرامته، وذاكرته.
ونلتزم في جميع أعمالنا بأعلى المعايير الإنسانية والدولية في التوثيق، وصون كرامة الضحايا، وحماية خصوصية أصحاب الشهادات، واحترام حقوق جميع المشاركين، إيمانًا بأن الذاكرة ليست وسيلة للانتقام، بل مسؤولية أخلاقية، وأن الحقيقة لا تكتمل إلا حين تُروى بكرامة، ويحفظها الإبداع، ويصونها احترام الإنسان.
كما نؤمن بأن هذا المشروع لا تبنيه مؤسسة وحدها، بل يبنيه مجتمع كامل. فكل صورة، وكل شهادة، وكل فيلم، وكل لوحة، وكل قصة، هي حجر جديد يُضاف إلى ذاكرة نبنيها معًا، لتبقى ملكًا لأهلها، وللأجيال القادمة.
وسيعمل المشروع على:
-
حفظ أسماء الشهداء، وتوثيق سيرهم وقصصهم.
-
جمع الشهادات، والروايات الشفهية، والوثائق، والصور، والأفلام.
-
بناء أرشيف مجتمعي حي، يشارك في صنعه أهلنا في سويداء القلب.
-
تأسيس متحف دائم يليق بذاكرة من ضحّوا وصمدوا.
وسنعلن خلال الأيام القليلة القادمة عن تفاصيل المشروع، وآليات المشاركة فيه.
ثانيًا: تطوير برامج الإغاثة والتمكين
بالتوازي مع حفظ الذاكرة، نواصل تطوير برامجنا الإنسانية وتوسيعها ضمن الإمكانات المتاحة، إيمانًا بأن العدالة تبدأ بوضوح الأولويات، وأن المسؤولية تقتضي أن نبدأ بمن هم أشد حاجة.
وقد اعتمدت Black Basalt Foundation في هذه المرحلة ثلاثة محاور رئيسية للدعم:
أولًا: أسر شهدائنا الأبرار، ولا سيما المقيمون منهم في مراكز الاستضافة.
ثانيًا: العائلات المهجّرة التي فقدت بيوتها أو مصادر رزقها نتيجة الجريمة التي تعرّضت لها السويداء.
ثالثًا: الحالات الطبية الطارئة، والأكثر حاجة، التي يتطلب وضعها تدخلًا عاجلًا ضمن الإمكانات المتاحة.
ولا تعني هذه الأولويات أن معاناة غيرهم أقل شأنًا، بل هي محاولة للبدء بمن هم أشد حاجة، وفق ما تسمح به الإمكانات المتوفرة، وبما يضمن أكبر قدر ممكن من العدالة والشفافية.
وسنعمل على مراجعة هذه الأولويات، وتوسيع برامج الدعم تدريجيًا كلما توفرت الموارد اللازمة، بما يتيح الوصول إلى أكبر عدد ممكن من أهلنا المحتاجين.
ولأن الموارد محدودة، ولأن العدالة والشفافية مسؤولية قبل أن تكونا شعارًا، فقد اخترنا أن يتم توزيع المساعدات بالتعاون مع لجنة «غيارى الجبل»، المشهود لها ولأعضائها بالنزاهة والثقة، وذلك ضمن إشراف قانوني، ومحاسبي، ومجتمعي، يضمن أعلى درجات المسؤولية في إدارة هذه الأمانة.
كما نعمل على إطلاق منظومة رقمية آمنة عبر موقع Black Basalt Foundation لتسجيل الاحتياجات وتنظيمها، بما يساعد على تقييم الحالات، والوصول إلى الفئات الأكثر حاجة وفق معايير واضحة وشفافة.
ونؤمن كذلك بأن التعافي الحقيقي لا يتحقق بالمساعدات وحدها، بل باستعادة الإنسان قدرته على الوقوف والعمل والإنتاج. لذلك سنعمل على حصر خبرات ومهن أهلنا في مراكز الاستضافة، وكل من اضطر إلى مغادرة منزله، وربطها، كلما أمكن، بفرص عمل حقيقية، ومبادرات تدريب وتمكين، تسهم في إعادة بناء حياتهم بكرامة، وتحويل الدعم من استجابة مؤقتة إلى بداية طريق نحو التعافي والاستقلال.
الخصوصية والشفافية
جميع المعلومات، والوثائق، والشهادات المتعلقة بمشروع «مقام الذاكرة» أو ببرامج الدعم الإنساني، ستبقى محفوظة بسرية تامة، ولن يُنشر أو يُشارك أي جزء منها إلا بعد موافقة صريحة من أصحابها.
كما نؤكد أن تعبئة الاستمارات تهدف إلى تقييم الاحتياجات بدقة، وتنظيم العمل، وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه وفق الإمكانات المتاحة، وليس ضمان الحصول على المساعدة بحد ذاته.
ونلتزم بإدارة جميع الموارد، والتبرعات، والبيانات، وفق أعلى معايير المسؤولية، والشفافية، والمساءلة، احترامًا للأمانة التي وضعها أهلنا، والداعمون، وكل من وثق بعملنا بين أيدينا.
لن نعد بما لا نملك، لكننا نعد بأن كل ما يوضع بين أيدينا سيُدار بأمانة، وعدالة، وشفافية، وبمسؤولية كاملة.
معًا... نحفظ الإنسان والذاكرة
نؤمن بأن الذاكرة، والإغاثة، والتمكين، ليست مسارات منفصلة، بل أوجه لواجب واحد.
فمن يحفظ الإنسان اليوم، يحفظ ذاكرته غدًا...
ومن يحفظ الذاكرة، يحفظ الحق...
ومن يعيد للإنسان قدرته على الوقوف من جديد، يحفظ المستقبل.
هذه ليست نهاية مشروع، بل بداية رحلة، نأمل أن يشارك فيها كل من يؤمن بأن الحقيقة تستحق أن تُحفظ، وأن الإنسان يستحق أن يعيش بكرامة.
ما دام فينا من يروي...
وما دام فينا من يتكاتف...
فلن تموت الحقيقة.
